محمد أبو زهرة
369
المعجزة الكبرى القرآن
وهذا التشدّد في الوفاء بالعهد لأنه في ذاته عدالة ، ولأن العهد فيه حد للحقوق ، وخصوصا إذا كان بين متكافئين ، ولا يصح أن يكون الاستعداد وأخذ الأهبة سببا في ذاته للنقض . ولكن إذا قامت أمارات تدل على أن استعداد المعاهد وأهبته نذير خيانة . وعلى المؤمنين أن يأخذوا حذرهم كما قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) [ النساء : 71 ] . وفي هذه الحال يطبق قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) . [ الأنفال : 58 ] وإذا كان هناك ما يجب الاحتياط له فإنه يكون عند عقد العهد . فلا يصح الاطمئنان إلى عهد من عرفوا بالخيانة . فإن العهد معهم نوع من الاغترار . ولذلك كان يجب تعرف حال الطرف الذي يعاهده قبل العهد . ولذلك حذر اللّه تعالى من العهد مع بعض المشركين الذين يقول سبحانه فيهم : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) [ التوبة : 8 - 10 ] . 230 - هذا ما أردنا أن نقتبسه من آي الذكر الحكيم في أحكام الحلال والحرام ، وما نقلنا كل ما اشتمل عليه القرآن العظيم . ولكن نقلنا ما يرى التالي للقرآن المقتبس من نوره . وما فصلنا الأحكام التي تعرضنا لنقلها من كتاب اللّه ، فإن تفصيلها يحتاج إلى نقل ما جاء في السنة ، وما اختلف الفقهاء في ظل النور القرآني في دلالة بعض الألفاظ ، فإن الكلام في ذلك يخرجنا عن مقصدنا . وهو الإشارة إلى علم الكتاب الكريم الذي يدل على إعجازه . واللّه سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء سبيل . علم الكون والإنسان في القرآن 231 - القرآن الكريم ، تكرر ذكر الكون فيه لأنه كما بيّنّا اتخذ من خلق كل من في الوجود دليلا على من أنشأه ، فكان بمقتضى النهج النوراني لا بد أن الكون وما فيه من خلق عظيم يدل على منشئه وحده سبحانه وتعالى ، ولا تكاد تجد سورة من القرآن مكية أو مدينة خلت من ذكر الكون ، وما يتصل به . وإن ذلك فيما نحسب يوجه نظر الإنسان إلى أنه جزء صغير من هذا الكون ، ليربطه به ، وليتعرف أسراره ، وأحواله ، وليعرف أنه وهو الصغير قد سخر اللّه تعالى له هذا الكون الكبير ، ولقد قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ . وأن ثمة حقائق مذكورة في القرآن يستبصر بها كل متعرف لهذا الكون دارس له .